هجوم غير مسبوق على الحيّز المدني في الأرض الفلسطينية المحتلة
١٦ ديسمبر ٢٠٢٥
في الأرض الفلسطينية المحتلة، تتضاءل المساحة المتاحة لمراقبة وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، والمطالبة بالمساءلة عن المظالم، أو التنظيم والمناصرة لحقوق الإنسان بشكل مطرد. فقد كثّفت إسرائيل على مدى عامين قمعها للصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والنشطاء المناهضين للاحتلال، فضلاً عن المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية، مما قوّض بشدة مجموعة من حقوق الإنسان للفلسطينيين، بما في ذلك الحق في حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات.
بين 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و14 كانون الأول/ديسمبر 2025، تحقق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة من مقتل 289 صحفياً في غزة جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك وقائع تشير بوضوح إلى استهداف متعمد للصحفيين الفلسطينيين بسبب عملهم.
كما احتجزت القوات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية ما لا يقل عن 202 صحفياً فلسطينياً من غزة والضفة الغربية بين 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و31 تشرين الأول/أكتوبر 2025، وفقاً لنقابة الصحفيين الفلسطينيين، ولا يزال 41 منهم رهن الاعتقال اعتباراً من 31 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وقد تم احتجاز معظمهم بموجب الاعتقال الإداري، الذي يؤدي في سياق الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين إلى الحرمان التعسفي من الحرية ويعرّض المحتجزين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، والاختفاء القسري. ووصف الصحفيون المفرج عنهم تعرضهم لاستجوابات ركزت على عملهم الصحفي أو منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، استناداً إلى اتهامات فضفاضة بـ"التحريض" أو "دعم الإرهاب" أو تهديد "الأمن القومي" لإسرائيل، وهي اتهامات لا تبرر احتجازهم بموجب القانون الدولي.
أجرى مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة مقابلات مع 15 صحفياً، بينهم خمس نساء، ممن تم احتجازهم خلال العامين الماضيين. وقد وصفوا تعرضهم لظروف الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، واستجوابات اتسمت بالإيذاء وسوء المعاملة، ومعاملة مهينة، وظروف احتجاز لا إنسانية، واستخداماً روتينياً للعنف الجسدي والجنسي، بما في ذلك حالتا اغتصاب.
وقد توفي ما لا يقل عن 85 فلسطينياً في مقار الاحتجاز الإسرائيلية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وفي ظل هذه التهديدات القاتمة التي يواجهها الصحفيون الفلسطينيون، تواصل إسرائيل فرض حظر شامل على قدرة الصحفيين الدوليين على النفاذ إلى غزة بشكل مستقل، وفرض قيود غير مبررة على عمل وسائل الإعلام الدولية في الضفة الغربية. وفي نيسان/أبريل 2024، أقرّت إسرائيل قانوناً يسمح للسلطات بإغلاق وسائل الإعلام الأجنبية التي تعتبرها تهديداً للأمن القومي، وأصدرت لاحقاً أوامر عسكرية لإغلاق مكاتب قناة الجزيرة في رام الله وحجب بثها.
قمع المجتمع المدني والعمل الحقوقي
يشكل تقلص الحيّز المتاح لعمل الصحافة المستقلة جزءاً من حملة أوسع ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء المناهضين للاحتلال والمنظمات المدنية، وهي حملة اشتدت منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
تستمر إسرائيل في استخدام قانون مكافحة الإرهاب لعام 2016 ولوائح الدفاع (الطوارئ) لعام 1945 ضد المنظمات غير الحكومية الفلسطينية لتبرير مداهمة مكاتبها، وتقييد التمويل والعمليات، واعتقال الموظفين. وقد سهّلت لغة القانون الفضفاضة وتعريفاته الواسعة والصلاحيات الممنوحة للدولة فرض قيود غير مبررة على الفلسطينيين المنخرطين في العمل الحقوقي، بما في ذلك المناصرة والتعبئة السلمية.
وخلال عام 2025، دفع المشرعون الإسرائيليون بمشروع قانون يفرض ضريبة تصل إلى 46 في المائة على معظم التمويل الأجنبي الذي تتلقاه المنظمات غير الحكومية كعقوبة على الانخراط في "أنشطة سياسية"، مما سيؤثر بشكل كبير على المنظمات غير الحكومية التي يركز عملها الحقوقي على الأرض الفلسطينية المحتلة.
وفي شباط/فبراير 2025، قُدم مشروع قانون إلى الكنيست يجرّم مشاركة المعلومات مع المحكمة الجنائية الدولية التي يمكن استخدامها في التحقيقات أو الملاحقات القضائية ضد مسؤولين أو مواطنين إسرائيليين. وإذا تم إقراره، سيضاعف القانون الأثر المثبط للعقوبات التي تم فرضها بالفعل على منظمات حقوقية فلسطينية لتعاونها مع المحكمة الجنائية الدولية.
وفي الوقت نفسه، تفرض إسرائيل قيوداً غير مبررة على عمل المنظمات الدولية غير الحكومية. ففي آذار/مارس 2025، اتخذت لجنة وزارية إسرائيلية قراراً ألغى فعلياً تسجيل جميع المنظمات الدولية غير الحكومية العاملة في الأرض الفلسطينية المحتلة، وفرض إعادة التسجيل للحصول على تصاريح مؤقتة بموجب شروط جديدة تعجيزية. ويشكل ذلك عائقاً جديداً أمام عمليات الاستجابة الإنسانية التي تقودها الأمم المتحدة في غزة، وأمام عمل العديد من منظمات المجتمع المدني الفلسطينية في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة التي تعتمد على التعاون مع المنظمات الدولية غير الحكومية.
انتهاكات من قبل السلطة الفلسطينية:
في الضفة الغربية، تساهم السلطة الفلسطينية في تشديد الخناق على الحيّز المدني من خلال استخدامها للقوة بشكل غير ضروري أو غير متناسب، والاعتقالات التعسفية، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة بحق الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمنتقدين للحكومة.
كما طبّقت السلطة أحكاماً قانونية فضفاضة تتعلق بـ"التحريض" أو انتقاد المسؤولين العموميين، ما سمح بالملاحقة القضائية لممارسات التعبير السلمي. وبين كانون الثاني/يناير وأيار/مايو 2025، حظرت السلطة الفلسطينية قناة الجزيرة بعد أن أغلقت القوات الإسرائيلية مكاتبها في رام الله، واتهمت القناة بـ"التحريض ونشر معلومات مضللة والتحريض على الفتنة والتدخل في الشؤون الداخلية الفلسطينية".
كما استخدمت قوات الأمن الفلسطينية القوة المفرطة ضد مظاهرات، بما في ذلك تلك التي تحتج على السلطة الفلسطينية وعلى سلوك قوات الأمن الفلسطينية.
تقلص المساحة المادية والمدنية:
تشديد الخناق المتزايد على الحيّز المدني يصاحبه أيضاً تقلص للحيّز المادي المتاح للفلسطينيين. ففي غزة، يحاصر خط إعادة انتشار القوات الإسرائيلية التعسفي معظم الفلسطينيين في أقل من نصف مساحة القطاع. وفي الضفة الغربية، تقوم إسرائيل بتهجير الفلسطينيين قسراً بمعدل غير مسبوق وتفريغ مجتمعات فلسطينية بأكملها من سكانها الفلسطينيين وتمهيد الطريق أمام التوسع المتواصل للمستوطنات الإسرائيلية.
يُعاد رسم الجغرافيا، وكذلك تعاد صياغة حدود ما يُسمح للفلسطينيين بقوله أو فعله حيال ذلك.
وقال أجيث سونغاي، مدير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة: "تتحمل جميع الجهات المسؤولة في الأرض الفلسطينية المحتلة التزامات بموجب القانون الدولي لضمان احترام حقوق الإنسان للفلسطينيين، بما في ذلك حقوقهم في حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع".
وأضاف: "تؤدي هذه الانتهاكات إلى خلق الخوف واليأس، وتترك الفلسطينيين دون أيّ سبل لنقل واقع حياتهم إلى العالم، أو للسعي لتحقيق العدالة بشأن عقود من التمييز والعنف والقمع، أو للدفاع عن مستقبل تُصان فيه حقوقهم الإنسانية وتُحترم".