شهدت مؤشرات الأمن الغذائي وتغذية الأطفال في قطاع غزة تحسنا خلال الأشهر الأخيرة بفضل التوسع في المساعدات الإنسانية، إلا أن هذا التقدم لا يزال هشا، مع استمرار معاناة نحو 1.4 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد. هذا ما أكده أحدث تحليل صادر عن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.
وذكر التحليل الصادر اليوم الخميس أنه برغم تحسن إمكانية الوصول إلى قطاع غزة، إلا أن معبرا واحدا فقط، هو كرم أبو سالم في جنوب القطاع، لا يزال مفتوحا، مما يحد من تدفق السلع الأساسية اللازمة لدعم التعافي، ويُبقي غالبية السكان معتمدين على المساعدات الإنسانية.
كما لا يزال سكان غزة يكافحون لاستعادة مصادر رزقهم، وإحياء أنظمة إنتاج الغذاء المحلية، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية.
وأكدت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، وبرنامج الأغذية العالمي أن التحسن في مؤشرات الأمن الغذائي والتغذية يُظهر مدى السرعة التي يمكن أن تتحسن بها الأوضاع عندما تتوسع الاستجابة الإنسانية والنشاط التجاري.
لكنها شددت على أن الأسر في غزة لا تزال تكافح لتلبية احتياجاتها الأساسية، وأن هذا التحسن قد يتراجع سريعا ما لم تستمر المساعدات الإنسانية، ويُعاد تنشيط القطاع الخاص، ويتوفر التمويل والاستثمار اللازمان للتعافي.
وقال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو: "هناك تقدم في الأمن الغذائي في غزة، لكنه هش ويمكن أن يتراجع بسهولة. فما تزال الأسر تفتقر إلى المياه وخدمات الصرف الصحي والأدوية، ونحن بحاجة إلى وصول مستدام للمساعدات، وتمويل، واستقرار يتيح لسكان غزة بدء مرحلة التعافي".
74 ألف طفل بحاجة إلى العلاج
ووفقا للتحليل، فقد تحسنت أوضاع الأمن الغذائي وتغذية الأطفال مقارنة بكانون الأول/ديسمبر/ 2025، إلا أن الاحتياجات الإنسانية لا تزال كبيرة.
ومن المتوقع أن يحتاج نحو 74 ألف طفل إلى العلاج من سوء التغذية الحاد خلال العام المقبل، إلى جانب نحو 25 ألف امرأة حامل ومرضعة سيحتجن إلى دعم غذائي.
وقالت المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل: "انخفضت معدلات سوء التغذية الحاد، لكن كثيرا من الأطفال لا يزالون يعانون من الجوع، وقد لا يتعافى بعضهم بالكامل من آثار سوء التغذية المطول".
212 ألف شخص في مرحلة الطوارئ
ويُقدَّر أن نحو 1.4 مليون شخص – أي 67 في المائة من سكان غزة – يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد (المرحلة الثالثة أو أعلى)، مقارنة بـ 1.6 مليون شخص – أي 77 في المائة من السكان – في نهاية العام الماضي.
كما لا يزال نحو 212 ألف شخص يعيشون في ظروف طوارئ غذائية (المرحلة الرابعة)، ويقيم كثير منهم في مناطق قريبة من الخط الذي تسيطر عليه القوات الإسرائيلية، حيث لا يزال الوصول إلى المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية بالغ الصعوبة.
ومن المتوقع أن تواجه أربع محافظات هي شمال غزة، وغزة، ودير البلح، وخان يونس مستويات "إنذار" بشأن سوء التغذية (المرحلة الثانية)، فيما تعذر على فرق التقييم الوصول إلى بعض المناطق القريبة مما يُعرف بـ "الخط الأصفر"، مما حال دون تصنيفها.
توسع المساعدات الإنسانية
وشهدت المساعدات الغذائية والتغذوية توسعا ملحوظا منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025. ففي أيار/مايو 2026 وحده، وصلت الطرود الغذائية إلى نحو 1.5 مليون شخص، واستفاد نحو 700 ألف شخص من المساعدات النقدية متعددة الأغراض، فيما وصلت خدمات التغذية إلى 60 في المائة من الأطفال دون الخامسة، مع زيادة فرص الحصول على علاج سوء التغذية الحاد.
ورغم هذا التحسن، أكدت الوكالات الأممية أن الحصص الغذائية لا تزال غير كافية من حيث الكمية والجودة والتنوع الغذائي، كما أن واردات الأغذية الطازجة والبروتينات عبر القنوات التجارية ما تزال غير منتظمة.
وأشارت إلى أن انخفاض معدلات سوء التغذية يعود بدرجة كبيرة إلى التوسع السريع في برامج الوقاية والتدخل الغذائي، إلى جانب تحسين الوصول إلى علاج حالات سوء التغذية الحاد والمتوسط.
إلا أن هذه المكاسب لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على استمرار المساعدات الإنسانية، وتتحقق رغم استمرار نقص الأغذية المغذية، وتفشي الأمراض، وضعف خدمات المياه والصرف الصحي، والانهيار شبه الكامل لسبل كسب العيش.
الزراعة مفتاح التعافي
ورغم أن التعافي الاقتصادي لم يبدأ بعد على نطاق واسع، فإن التقرير رصد مؤشرات أولية على إمكانية استعادة الإنتاج الغذائي المحلي إذا تمكن مزارعون ومربو ماشية من الوصول إلى الأراضي الزراعية ومدخلات الإنتاج والخدمات الأساسية، بما في ذلك الطاقة اللازمة للري.
وقال المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة، شو دونيو: "لا يمكن للأمن الغذائي في غزة أن يتعافى ما لم يُستأنف الإنتاج الغذائي المحلي، ويتمكن المزارعون والرعاة والصيادون وغيرهم من المنتجين من استعادة سبل عيشهم".